الصحافة الواقع والتحديات والتجاوزات / سيدي عيلال

منذ نشأتها والصحافة الوطنية تئن تحت وطأة الرقيب وخلف يريق الإغراء تصارع النفس والهوى وتتألم لحالها وحال الشعب والوطن ولو بلهجة خافتة وخجولة تضحي برسالتها مكرهة تارة وطورا تحت سيف العوز والحاجة والخوف ويمكن للمتتبع لمسيرتها المتعثرة إن يميز ثلاث مراحل أساسية في تاريخ السلطة الرابعة عند من يحترم السُّلط أما عندنا في العالم الثالث فلا اعرف لها رقما دقيقا إلا انها ليست الرابعة ولا الخامسة ولا السادسة واخشي ان تكون باسطة ذراعيها بالوصيد ؛وهذه المراحل واكبت قيام الدولة ( الوطنية ) الحديثة وانطبعت بطابعها التاريخي العام وعبرت عن خصوصيتها وفق المناخ الحضاري المسيطر .

1 _ المرحلة الأولى مرحلة ما بعد الهيمنة الاستعمارية وهي امتداد ملطف لها وهي مرحلة ضعف المشاركة الوطنية وطغيان الهيمنة الاستعمارية وغياب تام للمبادرات الوطنية الخالصة وقد ميز هذه المرحلة انقسام المجتمع على شرعية الدولة ذاتها وواجه النظام ساعتها الواقع بآليات مرتجلة وحلول قاصرة خجولة وفشل فشلا ذريعا في إقناع الشعب بوطنه واخضع بالقوة بعض وكلاء الدولة وعمالها للانتماء المفروض للوطن فكرس واقع الحال تعارض شكل الوطن مع مضمونه ولم يفلح وهو همزة الوصل إن يعترف بحقيقة انتمائه ويعتز بهويته او على الأقل يجاهر بها وان تعددت وتنوعت مشاربها وتنافرت عواطفها عبر لحظات تاريخ الصراع والحرب الدائرة رحاها بين مكونات الوطن الحديث أيام كانت الحياة تفرض بالقوة والمن لا بالحق والقانون حينما اقتصرت العقيدة على طائفة بعينها لم تتساوى عزائمها في بث علومها في قلوب المؤمنين بالوطن الجديد المُتَحفظ على جدية الانتماء إليه واحتكرت طائفة أخرى إشاعة الأمن وبث الخوف وإحداث الفوضى إن لزم الأمر حسب المزاج ولقد كانت الصحافة حسب دورها الطبيعي غائبة أو مغيبة لصعوبة فك خيوط الدولة الحديثة عن شكل مستعمرها المسيطر على المشهد .

2_ المرحلة الثانية هي مرحلة بداية سماع أصوات وطنية منظمة ومدعومة من الخارج تنادي بالحرية والعدل والتحرير وتطالب بوطن يمتلك قراره ويصنع تاريخه ويضع حدا لعلاقاته الثقيلة مع مستعمره وهنا ظهرت المناشير والدوريات ونشطت الكتابة على الجدران وواجه النظام الحركة الوطنية الهجينة بمزيد من التنكيل والتشريد والنفي وتجذرت ثنائية الاستقطاب حتى خاض الوطن حرب الصحراء حينما حاولت قوى الاستعمار الهاء أصحاب المطالب الوطنية ــ ولو شكلا ــ وأشعلت حرب الأشقاء وزجت بالوطن في أتون حرب حرام إقتتل فيها الإخوة الأشقاء وجها لوجه واستُنزف فيها الوطن وقضت متطلبات الحرب على مشاريع التنمية وسيطر الخوف والإحباط على شعب الوطن الوليد فانهارت منظومة حكم الخلساء ودخل الجيش الهزيل ساعتها على خط السياسة مبتعدا عن ساحات الحرب المؤسفة وافتتن بالقصر البني العتيق فدخل الوطن أكثر مراحله فوضوية وارتجالا واقتتالا على السلطة وخف ظهور المستعمر من على خشبة الوطن وان ظل كالظل لكل مشهد ولكل تغيير ، وفي هذه المرحلة تزايد حضور الحركات القومية والإسلامية وتعزز دور النقابات وظهرت بعض الصحف والمطويات والنشرات والدوريات اغلبها مستورد .

3_ المرحلة الثالثة ضاع شراعها بين عسكري مغمور وجفاف عاصف وشح في مصادر استمرار الحياة وهجرة حثيثة من الريف إلى المدينة في هذه المرحلة اتسعت حرية التعبير جزئيا ووظفت الدولة إمكاناتها واستخدمت آليات بطشها وفتكها لمواجهة المد التحرري الجديد وحاصرت النصوص القانونية حرية التعبير المجتزأة وهجرت طاقات وطنية وطن البزة والعشيرة والقطيع وتحطمت آمال الحالمين بفضاء وطني حرِِ تتزاحم فيه عقول أبنائه وتتعالى فيه أصواتهم دون الخوف من سجن أو رقابة أو إغراء ؛في هذه الإثناء خرجت الدولة من أغبية استخباراتها ووظفت بابتزازها المادي والمعنوي ما سيشكل فيما بعد بذرة الوباء الأولى للصحافة المأجورة المنحازة للمخزن وأجنداته ضد الشعب والوطن والتي اتسعت وتجذرت وشوهت السلطة الرابعة وضللت باقي السلط وضيقت الخناق على أقلام مشاعل الحق فنُفذت الاغتيالات وأسكتت الأصوات النشاز وحوصرت إرادة التغيير وصنفت المطالبات بالتجديد وكُرِم باسم الصحافة سود الصحائف واستهزئ بأمراء الحرف والفكر والكلام وعَرف الوطن أطول مراحل تناقضه و تشتيت جهده وارتجال حلوله حتى غدت الديمقراطية التعددية وهي المطلب الملح مجرد لون عابر وأداة في يد الأنظمة ووسيلة كسب غير شرعي أنهكت آليات تبنيها خزينة الوطن وكممت أفواهه وحورت مؤسساته وأنشأت طابور من لأحزاب السياسية اصطفت إلى جانب طابور الإعلام الموجه والمأجور وحادت بالوطن عن جادت نجاته وسكة تقدمه وتعالت أصوات بوم الطمع والعوز واستنكف الأحرار وهجرت طيور الحرية أوكارها وتقوقع الكرماء على كبريائهم حتى أتاحت حضارة البشر وتطورها ونتائج التكنلوجيا وعولمتها ولوج البشر عهد التغيير والمشاركة بعدما أفلست وسائط الأنظمة الشمولية وتولت أنظمة فضلت عدم مواجهة النتائج المتحصل عليها وساهمت الى حد كبير في تقبل الوافع بدل رفضه وبلغ يتامى الوطن رشدهم وأدرك السلف مساء العمر وتم كشف المستور وقرأ الجميع تاريخ الوطن الذي أثخنت جراحه جسد شعبه الطري

من هنا حدثت طفرة كبيرة في مجال الحريات لاتزال وحوش المهنة تأكلها دون تذكية ولا يزال صقورها يراقبون المشهد من بعيد ولا تزال إشارات تأكيد الحق تتوالى ؛ فهلا عززنا أحقية الوطن بسلطة رابعة لاتسقا من ماء وجهها ولا تقتات من أعراض من يخالفها الطرح ولا تنتج مادتها من خيالها ٠٠٠؟

فلقد حان زمن فرض احترام السلطة الرابعة و تمكينها من مصدر المعلومات ومتابعة تقاريرها ومعاقبة المتلاعبين بثروة الشعب ومصالح الوطن وتعزير أي جهة إعلامية تعمدت تضليل الرأي العام أو حاولت الابتزاز أو شوهت دور الإعلام أو روجت للمنكر والزور، فالفرصة متاحة وأنتم يا فرسان الحرف أحق بها وهي أحق بكم من غيركم فلا تبخسوها جهدكم فالفرصة لا تتكرر ...٠